لسان الدين ابن الخطيب
290
الإحاطة في أخبار غرناطة
فقال « 1 » : كان جبانا معمد « 2 » السيف ، قلقا ، لا يثبت على الظّهر ، عزهاة « 3 » لا أرب له في النساء « 4 » ، هيّابة ، مفرط الجزع ، يخلد إلى الرّاحات ، ويستوزر الأغمار . خلعه : قال : « 5 » وفي عام ثلاثة وثمانين وأربعمائة ، تحرّك أمير المسلمين ، يوسف بن تاشفين ، لخلع رؤساء الأندلس ، فأجاز البحر ، ويمّم قرطبة ، وتواترت الأنباء عن حفيد باديس صاحب غرناطة ، بما يغيظه ويحقده ، حسبما تقدم في اسم مؤمّل مولى باديس . وقدّم إلى غرناطة أربع محلّات ، فنزلت بمقربة منها ، ولم تمتدّ يد إلى شيء يوجد ، فسرّ الناس واستبشروا ، وأمنت البادية ، وتمايل أهل الحاضرة إلى القوي . وأسرع حفيد باديس في المال ، وألحق السّوقة والحاكّة « 6 » ، واستكثر من اللّفيف ، وألحّ بالكتب على أذفونش بما يطمعه . وتحقّق يوسف بن تاشفين استشراف الحضرة إلى مقدمه ، فتحرّك . وفي ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من رجب ، اجتمع إلى حفيد باديس صنائعه ، فخوّفوه من عاقبة التربّص ، وحملوه على الخروج إليه ، فركب وركبت أمّه وتركا القصر على حاله ، ولقي أمير المسلمين على فرسخين من المدينة ، فترجّل ، وسأله العفو ، فعفا عنه ، ووقف عليه ، وأمره بالرّكوب ، فركب ، وأقبل حتى نزل ب « المشايخ » من خارج الحضرة . واضطربت المحلّات ، وأمر مؤمّلا بثقافه في القصر ، فتولّى ذلك ، وخرج الجمّ من أهل المدينة ، فبايعوا أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ، فلقيهم ، وأنسهم ، وسكّن جأشهم ، فاطمأنوا . وسهّل مؤمّل إليه دخول الأعيان ، فأمر بكتب الصّكوك ، ورفع أنواع القبالات والخراج ، إلّا زكاة العين ، وصدقة الماشية ، وعشر الزّرع . واستقصي ما كان بالقصر ، فظهر على ما يحول الناظر ، ويروع الخاطر ، من الأعلاق والذّخيرة ، والحلى ، ونفيس الجوهر ، وأحجار الياقوت ، وقصب الزّمرد ، وآنية الذّهب والفضة ، وأطباق البلّور المحكم ، والجرداذنات ، والعراقيّات ، والثّياب الرّفيعة ، والأنماط ، والكلل ، والسّتائر ، وأوطية الدّيباج ، مما كان في ادّخار باديس واكتسابه . وأقبلت دوابّ الظّهر من المنكّب
--> ( 1 ) قارن بأعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 235 ) . ( 2 ) في أعمال الأعلام : « مغتمد » . ( 3 ) عزهاة : عازف عن اللهو والنساء . محيط المحيط ( عزه ) . ( 4 ) في أعمال الأعلام : « زاهدا في النساء » . ( 5 ) قارن بمذكرات الأمير عبد اللّه ( ص 154 وما بعدها ) وتاريخ الأندلس لابن الكردبوس ( ص 104 - 105 ) . ( 6 ) الحاكّة : أصحاب الشّرّ . وهذا الجمع لم نلحظه في كتب اللغة ؛ فقد جاء فيها أن « الحكك » جمع « حاكّ » ، وهو صاحب الشرّ .